رمضان.. من مِحراِب الصيام إلى ملاحم النصر (خطبة مكتوبة ومُشكلة بالكامل)” للشيخ محمد القطاوي
"إليكم الخطبة الجامعة (رمضان.. ملحمة العز ومحراب النصر) مكتوبة بالتشكيل الكامل والتواريخ بالعربية الفصحى. تستعرض الخطبة أسرار النصر في غزوة بدر، وفتح مكة، وعين جالوت، وملحمة العاشر من رمضان، مع لفتة نبوية رائعة حول مساعدة الأهل في البيت. مادة علمية قوية لكل خطيب وداعية."

“إليكم الخطبة الجامعة (رمضان.. ملحمة العز ومحراب النصر) مكتوبة بالتشكيل الكامل والتواريخ بالعربية الفصحى. اعداد فضيلة الشيخ محمد طلعت القطاوي تستعرض الخطبة أسرار النصر في غزوة بدر، وفتح مكة، وعين جالوت، وملحمة العاشر من رمضان، مع لفتة نبوية رائعة حول مساعدة الأهل في البيت. مادة علمية قوية لكل خطيب وداعية.”
يأتي شهر رمضان المبارك ليوقظ فينا روح العزة والكرامة، فهو ليس شهر الجوع والعطش، بل هو “موسم الفتوحات” الذي غير وجه التاريخ. ولأننا في موقع صوت الدعاة نحرص على تقديم الأفضل لزملائنا الأئمة والباحثين، نقدم لكم اليوم خطبة بعنوان: (رَمَضَانُ.. مَلْحَمَةُ الْعِزِّ وَمِحْرَابُ النَّصْرِ).
ما يميز هذه الخطبة:
-
الدقة اللغوية: النص مشكول تشكيلاً كاملاً لضبط الأداء المنبري.
-
الفصاحة: كُتبت كافة التواريخ والأرقام بالكلمات العربية الفصيحة.
-
الشمولية: تربط بين انتصارات الماضي (بدر وعين جالوت) وانتصارات العصر الحديث (١٠ رمضان).
-
الجانب التربوي: لم تغفل الخطبة الجانب الاجتماعي والتوجيه النبوي في التعامل مع الأهل داخل البيت خلال الشهر الكريم.
- خطبة الشيخ محمد طلعت القطاوي عن ايام الله في رمضان
ولقراءة الخطبة كاملة علي الموقع
خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: “ رَمَضَانُ.. مَلْحَمَةُ الْعِزِّ وَمِحْرَابُ النَّصْر
الْجُمُعَةُ 9 رمضان ١٤٤٧هـ – 27-٠٢-٢٠٢٦م
إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى
عناصر الخطبة:
الْمِحْوَرُ الْأَوَّلُ: غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى (يَوْمُ الْفُرْقَانِ)
الْمِحْوَرُ الثَّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ (الْفَتْحُ الْأَعْظَمُ)
الْمِحْوَرُ الثَّالِثُ: عَيْنُ جَالُوتَ.. حِينَ انْكَسَرَ التَّتَارُ
الْمِحْوَرُ الرَّابِعُ: مَلْحَمَةُ الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ ١٩٧٣م
الخطبة الأولي : “ رَمَضَانُ.. مَلْحَمَةُ الْعِزِّ وَمِحْرَابُ النَّصْر
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الِانْتِصَارُ الْأَكْبَرُ (الِانْتِصَارُ عَلَى النَّفْسِ وَالتَّعَاوُنُ فِي الْبَيْتِ)
الْخُطْبَةُ الأُولَى
رَمَضَانُ.. مَلْحَمَةُ الْعِزِّ وَمِحْرَابُ النَّصْرِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الصِّيَامَ جُنَّةً، وَرَفَعَ لِوَاءَ الْحَقِّ فِي رَمَضَانَ وَأَعْلَنَهُ، وَصَيَّرَ هَذَا الشَّهْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِزّاً وَمِنَّةً. فَفِيهِ تَنْزِلُ الرَّحَمَاتُ، وَفِيهِ تُمْحَى السَّيِّئَاتُ، وَفِيهِ تُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ أَيَّامِهِ، وَاسْتَلْهَمَ النَّصْرَ مِنْ صِيَامِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَأَنْجَزَ نَصْرَهُ، وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْقَائِلُ: “الصَّوْمُ جُنَّةٌ“، وَكَانَ فِي رَمَضَانَ يَشُدُّ الْمِئْزَرَ، وَيُحْيِي اللَّيْلَ، وَيَقُودُ الْعَسْكَرَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ، وَأَصْحَابِ النَّصْرِ وَالْفِدَاءِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ.. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اِتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا لَيْسَ شَهْرَ خُمُولٍ وَلَا وَنَىً، وَلَا شَهْرَ نَوْمٍ وَاسْتِرْخَاءٍ بِالْمُنَى، بَلْ هُوَ شَهْرُ الْعَزَائِمِ الْكُبْرَى، وَالْمَلَاحِمِ الْعُظْمَى. إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ عَلَى هَذَا الشَّهْرِ الْفَضِيلِ، أَنْ يُصَوَّرَ فِي أَذْهَانِ الْأَجْيَالِ عَلَى أَنَّهُ شَهْرُ الْخُمُولِ، وَمَوْسِمُ النَّوْمِ وَالذُّهُولِ، وَوَقْتُ اسْتِرَاحَةِ الْأَبْدَانِ، وَانْشِغَالِ الْأَمْعَاءِ بِأَلْوَانِ الطَّعَامِ. لَا وَاللَّهِ! مَا كَانَ رَمَضَانُ يَوْماً شَهْرَ كَسَلٍ، بَلْ كَانَ دَائِماً شَهْرَ الْعَمَلِ، وَمَا كَانَ شَهْرَ ضَعْفٍ، بَلْ كَانَ شَهْرَ الْفَتْحِ.
انْظُرُوا فِي صَفَحَاتِ تَارِيخِكُمْ، فَوَاللَّهِ لَنْ تَجِدُوا نَصْراً مُؤَزَّراً، وَلَا فَتْحاً مُبِيناً، إِلَّا وَلِرَمَضَانَ فِيهِ نَصِيبُ الْأَسَدِ. إِنَّ الصِّيَامَ لَمْ يُشْرَعْ لِيُوهِنَ الْأَبْدَانَ، بَلْ لِيُقَوِّيَ الْأَرْوَاحَ، فَإِذَا اسْتَأْسَدَتِ الرُّوحُ، طَوَّعَتِ الْبَدَنَ لِيَفْعَلَ الْمُعْجِزَاتِ. يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (زَادِ الْمَعَادِ): “وَكَانَ ﷺ لَا يَدَعُ الْغَزْوَ فِي رَمَضَانَ، بَلْ كَانَ الصِّيَامُ يُقَوِّيهِ عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ“. فَكَيْفَ يَنَامُ مَنْ يَرْجُو الْجِنَانَ؟ وَكَيْفَ يَغْفَلُ مَنْ يَخْشَى النِّيرَانَ؟ إِنَّ رَمَضَانَ فِي تَارِيخِ أُمَّتِكُمْ كَانَ دَائِماً “رَبِيعَ الِانْتِصَارَاتِ”، وَمَوْسِمَ الْقُوَّةِ لَا الضَّعْفِ، وَمِيدَانَ الْجِهَادِ لَا الْكَسَلِ.
فَتَعَالَوْا مَعِي أَحِبَّتِي فِي اللَّهِ أَصْحَبْكُمْ فِي رِحْلَةٍ عَبْرَ تَارِيخِ أُمَّتِنَا، إِنَّهَا رِحْلَةُ الْفَخَارِ وَالشَّرَفِ، رِحْلَةٌ أَظْهَرَتْ قُوَّةَ الْقُلُوبِ وَصُمُودَ الرُّوحِ، إِنَّهَا رِحْلَةُ أُمَّةٍ قَهَرَتْ أَعَادِيَهَا بِفُتُوحَاتٍ إِسْلَامِيَّةٍ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، إِنَّهَا رِحْلَةُ رِجَالٍ ضَحَّوْا بِالرُّوحِ وَالنَّفْسِ وَالْغَالِي وَالنَّفِيسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَا غَرَّهُمْ عِدَّةٌ وَلَا عَدَدُ عَدُوِّهِمْ، وَلَا أَضْعَفَ الصِّيَامُ أَبْدَانَهُمْ، بَلْ كَانَ الصِّيَامُ قُوَّةً لِعَزَائِمِهِمْ وَشَحْذاً لِهِمَمِهِمْ.
الْمِحْوَرُ الْأَوَّلُ: غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى (يَوْمُ الْفُرْقَانِ)
إِخْوَةَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ: وَلَعَلَّ مِنْ أَجَلِّ الْأَحْدَاثِ الَّتِي سَجَّلَهَا التَّارِيخُ بَلْ وَسَجَّلَهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي ثَنَايَا هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ شَهْرِ رَمَضَانَ، سَجَّلَهَا التَّارِيخُ بِشَهَادَةِ الْقُرْآنِ بِأَدَقِّ التَّفَاصِيلِ، شَاهِدَةً عَلَى انْتِصَارَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ؛ إِنَّهَا غَزْوَةٌ سَمَّاهَا الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ: يَوْمَ الْفُرْقَانِ. فَـعُودُوا بِذَاكِرَتِكُمْ وَارْجِعُوا بِقُلُوبِكُمْ إِلَى السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، لِلْعَامِ الثَّانِي مِنَ الْهِجْرَةِ. فِي يَوْمٍ سَمَّاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ (يَوْمَ الْفُرْقَانِ)؛ لِأَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، حُفَاةً عُرَاةً جِيَاعاً صَائِمِينَ، يُوَاجِهُونَ أَلْفاً مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ بِحَدِيدِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَخُيَلَائِهِمْ.
حَيْثُ نَصَرَهُمُ اللَّهُ فِي أَوَّلِ مَعْرَكَةٍ يَخُوضُونَهَا مَعَ قُوَى الْبَغْيِ وَالشِّرْكِ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 5-8].
يَوْمُ الْفُرْقَانِ يَوْمُ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، يَوْمٌ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ جُنْدَهُ وَنَصَرَ فِيهِ عَبْدَهُ وَأَذَلَّ فِيهِ مَنْ عَادَاهُ. يَوْمُ الْفُرْقَانِ، يَوْمٌ خَاضَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِالثَّبَاتِ وَالْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ، خَاضَهُ مَعَ الصَّحْبِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ وَبَوَّأَهُمْ دَارَ السَّلَامِ، ثَلَاثُ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَوْمَهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ، رِجَالٌ نَادَى عَلَيْهِمْ مُنَادِي اللَّهِ: “يَا أَهْلَ بَدْرٍ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ”. رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ نَقِيَّةٌ زَاكِيَةٌ، وَهِمَمُهُمْ شَرِيفَةٌ سَامِيَةٌ عَالِيَةٌ، رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، عَلَى قِلَّتِهِمْ كَانُوا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ضَرْبَتُهُمْ وَاحِدَةٌ وَصَدُّهُمْ وَاحِدٌ، وَاللَّهُ مَعَهُمْ، وَالرَّسُولُ قَائِدُهُمْ فَأَنَّى يُهْزَمُوا؟؟
كَانَتِ الشَّمْسُ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ، وَالرَّمْضَاءُ تَحْرِقُ أَقْدَامَهُمْ، وَالْجُوعُ يَطْوِي أَمْعَاءَهُمْ، وَالصِّيَامُ يُجْهِدُ أَجْسَادَهُمْ، لَكِنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْعَرْشِ. لَمْ يَقُولُوا “نَحْنُ صَائِمُونَ”، بَلْ قَالُوا “نَحْنُ مُؤْمِنُونَ”. خَرَجُوا صَائِمِينَ لِمُوَاجَهَةِ جَيْشٍ يَفُوقُهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ. يَتَقَدَّمُهُمُ الْقَائِدُ الْأَعْلَى ﷺ لَوْ رَأَيْتَهُ وَهُوَ فِي عَرِيشِهِ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، وَيُنَاشِدُ رَبَّهُ بِدُمُوعِ الْمُخْلِصِينَ: «اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ الْيَوْمَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» [رواه مسلم].
لَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْعُصْبَةِ الصَّائِمَةِ الْمُؤْمِنَةِ أَنْ تُصْبِحَ أُمَّةً وَأَنْ يُصْبِحَ لَهَا قُوَّةٌ وَسُلْطَانٌ عَنِ اسْتِحْقَاقٍ لَا عَنْ جِزَافٍ، وَبِالْجُهْدِ وَالْجِهَادِ وَبِتَكَالِيفِ الْجِهَادِ وَمُعَانَاتِهَا فِي عَالَمِ الْوَاقِعِ وَفِي مِيدَانِ الْقِتَالِ، وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَلِّمَهَا وَيُعَلِّمَ الْأُمَّةَ مِنْ بَعْدِهَا أَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِالْعَدَدِ وَلَيْسَ بِالْعُدَّةِ وَلَيْسَ بِالْمَالِ وَالزَّادِ، إِنَّمَا هُوَ بِمِقْدَارِ اتِّصَالِ الْقُلُوبِ بِقُوَّةِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَقِفُ لَهَا قُوَّةُ الْعِبَادِ، وَأَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ عَنْ تَجْرِبَةٍ وَاقِعِيَّةٍ لَا عَنْ مُجَرَّدِ تَصَوُّرٍ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
يَقُولُ الشَّاعِرُ أَحْمَد شَوْقِي: بَدَرْتَهُمُ بَدْراً فَلَمَّا تَصَدَّعُوا … رَمَيْتَ لَهُمْ فِي كُلِّ فَجٍّ كَتِيبَة صِيَامٌ وَقِيَامٌ فِي رِحَابِكَ خُشَّعٌ … وَإِنْ حُمَّ وَقْعُ الرَّوْعِ كَانُوا ذُؤَابَة
نَزَلَ الْمَدَدُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 12]. وَضَرَبَ الصَّحَابَةُ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ، فَهَذَا “عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ” يَرْمِي بِتَمَيْرَاتٍ كَانَتْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: “لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ”، ثُمَّ انْغَمَسَ فِي صُفُوفِ الْعَدُوِّ صَائِماً حَتَّى اسْتُشْهِدَ. لَقَدْ كَسَرُوا شَوْكَةَ الشِّرْكِ وَقَتَلُوا صَنَادِيدَ الْكُفْرِ لِيُعَلِّمُونَا أَنَّ الْجُوعَ لِلَّهِ هُوَ الشَّبَعُ مِنَ الْعِزِّ. لِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، بَلْ بِصِدْقِ الْمُعْتَمَدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123].
وَبَدْرٌ مَا تَزَالُ لَنَا مَنَاراً … تُضِيءُ الدَّرْبَ فِي لَيْلِ الْمَحَاقِ سَقَاهَا الصَّائِمُونَ دِمَاءَ طُهْرٍ … فَأَنْبَتَتِ الْعَزِيمَةَ فِي السَّوَاقِي
الْمِحْوَرُ الثَّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ (الْفَتْحُ الْأَعْظَمُ)
وَفِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، تَحَرَّكَتْ جَحَافِلُ النُّورِ بِقِيَادَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ لِفَتْحِ أُمِّ الْقُرَى. دَخَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعاً، مُنْحَنِياً عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى كَادَ جَبِينُهُ يَمَسُّ رَحْلَهُ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ نَصْرَ رَمَضَانَ هُوَ نَصْرُ “التَّوَاضُعِ” لَا “الْكِبْرِ”. طَهَّرَ الْكَعْبَةَ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَصَامَ وَصَامَ مَعَهُ الْجَيْشُ، فَكَانَ الْفَتْحُ الَّذِي غَيَّرَ وَجْهَ التَّارِيخِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [سورة النصر].
إِنَّ فَتْحَ مَكَّةَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، لِسَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ حَرْبٍ كُلِّلَتْ بِالظَّفَرِ، وَلَا هُوَ مُجَرَّدُ اسْتِرْدَادٍ لِأَرْضٍ سُلِبَتْ، بَلْ هُوَ فِي الْمِيزَانِ الْعُمْرِيِّ وَالتَّحْلِيلِيِّ تَتْوِيجٌ لِسَنَوَاتِ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، وَتَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِـ(فِقْهِ الرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ) وَ(إِحْيَاءِ النُّفُوسِ). إِنَّنَا أَمَامَ حَدَثٍ غَيَّرَ وَجْهَ التَّارِيخِ، وَانْتَقَلَ بِالدَّعْوَةِ مِنْ مَرْحَلَةِ (الْمُدَافَعَةِ) إِلَى مَرْحَلَةِ (الدَّوْلَةِ وَالتَّمْكِينِ)، وَلَكِنْ بِأُسْلُوبٍ نَبَوِيٍّ فَرِيدٍ قِوَامُهُ: فَتْحُ الْقُلُوبِ قَبْلَ فَتْحِ الْحُصُونِ.
إِنَّهُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ حَيْثُ دُخُولُ الْفَاتِحِ الْمُتَوَاضِعِ وَعَوْدَتُهُ إِلَى مَوْطِنِهِ وَسَطَ حَشْدٍ مِنْ رِجَالٍ امْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ بِحُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، لَا كَمَا يَدْخُلُ الْمُلُوكُ وَالْقَيَاصِرَةُ (بِالْخُيَلَاءِ وَالْبَطْشِ)، بَلْ دَخَلَهَا مُطَأْطِئاً رَأْسَهُ؛ تَوَاضُعاً لِلَّهِ، حَتَّى إِنَّ شَعْرَ لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ لَيَكَادُ يَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ.
إِعْلَانُ الدُّسْتُورِ الْجَدِيدِ: حِينَمَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: “الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ”، رَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مُصَحِّحاً الْمَسَارَ الْحَضَارِيَّ لِلْأُمَّةِ: «لَا، بَلِ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ يُعَظِّمُ اللَّهُ الْكَعْبَةَ» [رواه البخاري]. وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِـ(عَقِيدَةِ الْجَيْشِ) مِنَ الِانْتِقَامِ إِلَى الْبِنَاءِ، فَالْفَتْحُ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ تَعْظِيمٌ لِلْمُقَدَّسَاتِ، وَصِيَانَةٌ لِلْإِنْسَانِ، وَلَيْسَ اسْتِبَاحَةً لِلْحُرُمَاتِ.
أَمَّا عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَدْ وَقَفُوا يَرْتَجِفُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ آذَوْهُ وَحَاصَرُوهُ، وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ، يَنْتَظِرُونَ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ يَقْرَعُ السُّؤَالُ الْمُفَاجِئُ أَسْمَاعَهُمْ حِينَ سَأَلَهُمُ الْمُصْطَفَى ﷺ : «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: “خَيْراً، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ”. وَيَنْطِقُ الْجَمَالُ الْمُعَظَّمُ بِمَا يَتَوَقَّعُهُ مِنْهُ أَهْلُ مَكَّةَ، فَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ جَمَالَ خُلُقِهِ وَلِينَ جَانِبِهِ مَهْمَا عَانَدُوهُ، فَهُمْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ الرَّحِيمُ فِي حُكْمِهِ، فَقَالَ ﷺ : «فَإِني أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» [ابن هشام: مع الروض الأنف، والسنن الكبرى للبيهقي]. فَعَفْوُهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ ضَعْفاً بَلْ كَانَ (إِعَادَةَ تَدْوِيرٍ) لِلطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ فِي قُرَيْشٍ؛ فَتَحَوَّلُوا مِنْ أَعْدَاءٍ إِلَى جُنُودٍ لِلْإِسْلَامِ.
إِنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كَمَا يُقْرَأُ فِي مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ، هُوَ فَتْحٌ لِلْقُلُوبِ قَبْلَ الْبِلَادِ، لَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَشَرِيَّةَ أَنَّ قِمَّةَ الْقُوَّةِ هِي قِمَّةُ الرَّحْمَةِ، وَأَنَّ الدَّوْلَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَا تَقُومُ عَلَى السَّيْفِ، بَلْ تَقُومُ عَلَى الْمَبَادِئِ. لَقَدْ كَانَ هَذَا الْفَتْحُ ثَمَرَةَ شَجَرَةٍ، بُذِرَتْ يَوْمَ الْبَعْثَةِ، وَسُقِيَتْ بِمَاءِ الصَّبْرِ فِي مَكَّةِ، وَنَمَتْ فِي هِجْرَةِ الْمَدِينَةِ، وَأَيْنَعَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقُطِفَتْ ثِمَارُهَا يَوْمَ دَخَلَ النَّبِيُّ مَكَّةَ خَاشِعاً شَاكِراً.
الْمِحْوَرُ الثَّالِثُ: عَيْنُ جَالُوتَ.. حِينَ انْكَسَرَ التَّتَارُ
وَفِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، لِسَنَةِ سِتِّمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَخَمْسِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَقَفَ الْقَائِدُ الْمُظَفَّرُ “سَيْفُ الدِّينِ قُطُزُ” فِي مَعْرَكَةِ عَيْنِ جَالُوتَ. صَرَخَ صَرْخَتَهُ الشَّهِيرَةَ الَّتِي زَلْزَلَتِ الْأَرْضَ: “وَا إِسْلَامَاهُ.. يَا اللَّهُ انْصُرْ عَبْدَكَ قُطُزَ”. فِي حَرِّ الصِّيَامِ، اسْتَطَاعَ جَيْشُ الْإِسْلَامِ كَسْرَ أُسْطُورَةِ الْمَغُولِ الَّتِي لَا تُقْهَرُ، وَحِمَايَةَ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الزَّوَالِ. لَقَدْ كَانَ الصِّيَامُ هُوَ الْوَقُودَ الرُّوحِيَّ الَّذِي أَشْعَلَ نَارَ الْحَمِيَّةِ فِي الْقُلُوبِ.
نَعَمْ، إِنَّهَا مَعْرَكَةُ الْقُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ فِي أَعْظَمِ أَيَّامِ اللَّهِ، فَهِي إِحْدَى أَبْرَزِ الْمَعَارِكِ الْفَاصِلَةِ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ؛ إِذِ اسْتَطَاعَ جَيْشُ الْمَمَالِيكِ بِقِيَادَةِ سَيْفِ الدِّينِ قُطُزُ إِلْحَاقَ أَوَّلِ هَزِيمَةٍ قَاسِيَةٍ بِجَيْشِ الْمَغُولِ بِقِيَادَةِ كَتْبُغَا. حَيْثُ وَقَعَتِ الْمَعْرَكَةُ بَعْدَ انْتِكَاسَاتٍ مَرِيرَةٍ لِدُوَلِ وَمُدُنِ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ، حَيْثُ سَقَطَتْ بَغْدَادُ بَعْدَ حِصَارٍ دَامَ أَيَّاماً، فَاسْتُبِيحَتِ الْمَدِينَةُ وَقُتِلَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ فَسَقَطَتْ مَعَهُ الْخِلَافَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، ثُمَّ تَبِعَ ذَلِكَ سُقُوطُ جَمِيعِ مُدُنِ الشَّامِ وَفِلَسْطِينَ وَخَضَعَتْ لِهُولَاكُو.
كَانَتْ مِصْرُ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ تَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الصِّرَاعَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَالَّتِي انْتَهَتْ بِاعْتِلَاءِ سَيْفِ الدِّينِ قُطُزُ عَرْشَ مِصْرَ سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ لِلْهِجْرَةِ سُلْطَاناً لِمَمَالِيكِ مِصْرَ. فَبَدَأَ بِالتَّحْضِيرِ لِمُوَاجَهَةِ التَّتَارِ. وَمَا إِنِ انْتَهَى قُطُزُ مِنْ تَجْهِيزِ الْجَيْشِ حَتَّى سَارَ بِهِ مِنْ مِنْطَقَةِ الصَّالِحِيَّةِ شَرْقَ مِصْرَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى سَهْلِ عَيْنِ جَالُوتَ الَّذِي يَقَعُ تَقْرِيباً بَيْنَ مَدِينَةِ بَيْسَانَ شَمَالاً وَمَدِينَةِ نَابُلُسَ جَنُوباً فِي فِلَسْطِينَ، وَفِيهَا تَوَاجَهَ الْجَيْشَانِ الْإِسْلَامِيُّ وَالْمَغُولِيُّ، وَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَطَاعَ الْآلَافُ مِنَ الْمَغُولِ الْهَرَبَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَاتَّجَهُوا قُرْبَ بَيْسَانَ، وَعِنْدَهَا وَقَعَتِ الْمَعْرَكَةُ الْحَاسِمَةُ وَانْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ انْتِصَاراً عَظِيماً، وَأُبِيدَ جَيْشُ الْمَغُولِ بِأَكْمَلِهِ. لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَيْثُ اتِّصَالُ الْقُلُوبِ بِخَالِقِهَا لِيَكُونَ النَّصْرُ حَلِيفَهُمْ.
الْمِحْوَرُ الرَّابِعُ: مَلْحَمَةُ الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ هِجْرِيَّةً
وَلَا تَذْهَبُوا بَعِيداً، فَفِي عَصْرِنَا الْحَدِيثِ، سَطَّرَ جُنْدُنَا فِي الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لِعَامِ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، أَرْوَعَ آيَاتِ التَّضْحِيَةِ. عِنْدَمَا قِيلَ لَهُمْ: “لَكُمْ رُخْصَةُ الْفِطْرِ”، قَالَ الْأُسُودُ الْأَبْطَالُ الْبَوَاسِلُ: “نُرِيدُ أَنْ نَلْقَى اللَّهَ وَنَحْنُ صَائِمُونَ”. انْطَلَقَتْ صَيْحَاتُ “اللَّهُ أَكْبَرُ” تُزَلْزِلُ حُصُونَ “بَارْلِيفَ”، وَتُثْبِتُ لِلْعَالَمِ أَنَّ الْجُنْدِيَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اسْتَمَدَّ قُوَّتَهُ مِنَ الصِّيَامِ، لَا تَقِفُ فِي وَجْهِهِ أَقْوَى الْحُصُونِ. لَقَدْ كَانَ النَّصْرُ حَلِيفَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ قَبْلَ عَدُوِّهِ.
فَفِي الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لِعَامِ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ هِجْرِيَّةً، انْطَلَقَتْ شَرَارَةُ وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعَارِكِ فِي التَّارِيخِ الْعَرَبِيِّ الْحَدِيثِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مُوَاجَهَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ لَحْظَةً فَارِقَةً فِي الْوَعْيِ الْجَمْعِيِّ، حِينَ اجْتَمَعَتْ إِرَادَةُ الْمِصْرِيِّينَ فِي هُجُومٍ مُبَاغِتٍ لِاسْتِعَادَةِ الْأَرْضِ وَالْكَرَامَةِ. هَذِهِ الْحَرْبُ لَمْ تُغَيِّرْ فَقَطْ خَرَائِطَ الْجُغْرَافِيَا، بَلْ أَعَادَتْ تَشْكِيلَ وِجْدَانِ الشُّعُوبِ، وَفَرَضَتْ وَاقِعاً جَدِيداً فِي السِّيَاسَةِ الدَّوْلِيَّةِ. لَقَدْ كَانَ أَبْطَالُهَا هُمْ خَيْرَ أَجْنَادِ الْأَرْضِ.
فَمِنْ أَعْظَمِ مَا مَيَّزَ هَذِهِ الْحَرْبَ أَنَّهَا انْدَلَعَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرِ الصِّيَامِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّقْوَى، شَهْرِ النَّصْرِ، وَكَأَنَّهَا رِسَالَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِأَنَّ النَّصْرَ لَا يُقَاسُ فَقَطْ بِعَدَدِ الدَّبَّابَاتِ وَالطَّائِرَاتِ، بَلْ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ، خَاضَ الْجُنُودُ الْمَعْرَكَةَ وَهُمْ صَائِمُونَ، يَحْمِلُونَ فِي قُلُوبِهِمْ يَقِيناً لَا يَتَزَعْزَعُ بِأَنَّ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَأَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي يُدَافِعُونَ عَنْهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تُرَابٍ، بَلْ عِرْضٌ وَكَرَامَةٌ وَتَارِيخٌ، لَمْ يَكُنِ الصِّيَامُ عَائِقاً، بَلْ كَانَ وَقُوداً رُوحِيّاً، يَمُدُّهُمْ بِطَاقَةٍ لَا تَنْضَبُ، وَيَزْرَعُ فِيهِمُ الصَّبْرَ وَالثَّبَاتَ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ الْمُدَجَّجِ بِأَحْدَثِ الْأَسْلِحَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَتْ هَذِهِ الْحَرْبُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ دَاخِلِيٍّ، بَلْ قُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ تُتَرْجَمُ إِلَى شَجَاعَةٍ وَتَضْحِيَةٍ، وَأَنَّ الْجُنْدِيَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْنَعَ الْمُعْجِزَاتِ حِينَ يُوقِنُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْذُلُ مَنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ.
فَإِذَا نَظَرْنَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى إِلَى حَرْبِ الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَنَجِدُ صِيَامَ الْمُجَاهِدِينَ وَنَصْرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُوَّةَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ تَكَرَّرَتِ الصُّورَةُ فِي عَامِ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ هِجْرِيَّةً، حِينَ قَاتَلَ الْجُنُودُ وَهُمْ صَائِمُونَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، يَحْمِلُونَ فِي صُدُورِهِمْ نَفْسَ الْيَقِينِ، وَنَفْسَ الْعَزِيمَةِ، وَنَفْسَ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تُسْتَرَدُّ إِلَّا بِالدَّمِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْذُلُ مَنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ، لَمْ يَكُنِ الصِّيَامُ عَائِقاً، بَلْ كَانَ وَقُوداً رُوحِيّاً، يَمُدُّهُمْ بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَخُوضُونَ مَعْرَكَةً مُقَدَّسَةً، دِفَاعاً عَنِ الْوَطَنِ وَالْعَقِيدَةِ، وَكَمَا نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، نَصَرَهُمْ فِي رَمَضَانَ لِعَامِ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا بِإِيمَانٍ لَا يُهْزَمُ، وَإِرَادَةٍ لَا تُكْسَرُ، وَرُوحٍ لَا تَعْرِفُ الِانْكِسَارَ.
هَكَذَا تَتَلَاقَى بَدْرٌ وَمَلَاحِمُ رَمَضَانَ فِي جَوْهَرِهِمَا، مِنْ حَيْثُ إِنَّ كِلَاهُمَا مَعْرَكَةٌ فِي رَمَضَانَ، يَقُودُهَا رِجَالٌ صَائِمُونَ، يَطْلُبُونَ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ، وَيُؤْمِنُونَ أَنَّ التَّضْحِيَةَ فِي سَبِيلِ الْأَرْضِ وَالْعَقِيدَةِ هِي أَسْمَى دَرَجَاتِ الْجِهَادِ، وَبَيْنَ سُيُوفِ الصَّحَابَةِ فِي بَدْرٍ، وَدَبَّابَاتِ الْجُنُودِ فِي سِينَاءَ، ظَلَّ الْإِيمَانُ هُوَ السِّلَاحَ الْأَقْوَى، وَالرَّايَةَ الَّتِي لَا تَسْقُطُ.
[الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الِانْتِصَارُ الْأَكْبَرُ (الِانْتِصَارُ عَلَى النَّفْسِ وَالتَّعَاوُنُ فِي الْبَيْتِ)]
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَاماً عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الِانْتِصَارَاتِ الْعَسْكَرِيَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَا كَانَتْ لِتَتَحَقَّقَ لَوْلَا أَنَّ أُولَئِكَ الرِّجَالَ انْتَصَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوَّلاً. وَالْيَوْمَ، وَنَحْنُ نَعِيشُ رَمَضَانَنَا هَذَا، نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى “نَصْرٍ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ”.
أَوَّلاً: مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ النَّصْرُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ تَنْتَصِرَ عَلَى غَضَبِكَ، وَعَلَى لِسَانِكَ مِنَ الْغِيبَةِ، وَعَلَى عَيْنِكَ مِنَ الْحَرَامِ. الصِّيَامُ لَيْسَ “تَعَبَ أَبْدَانٍ”، بَلْ هُوَ “تَرْبِيَةُ أَرْوَاحٍ”.
ثَانِيّاً: الِانْتِصَارُ فِي مِحْرَابِ الْبَيْتِ (مُسَاعَدَةُ الْأَهْلِ) وَهُنَا وَقْفَةٌ هَامَّةٌ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ.. إِنَّ بُيُوتَنَا فِي رَمَضَانَ تَشْهَدُ جِهَاداً صَامِتاً. إِنَّ نِسَاءَنَا، مِنْ أُمَّهَاتٍ وَزَوْجَاتٍ وَبَنَاتٍ، يَقْضِينَ السَّاعَاتِ الطِّوَالَ أَمَامَ لَهِيبِ النِّيرَانِ فِي الْمَطَابِخِ، وَهُنَّ صَائِمَاتٌ عَابِدَاتٌ، لِيُوَفِّرْنَ لَنَا سُبُلَ الرَّاحَةِ عِنْدَ الْإِفْطَارِ.
الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ : هَلْ تَعْلَمُونَ كَيْفَ كَانَ حَالُ الْقَائِدِ الْأَعْلَى وَالْأَعْظَمِ، مُحَمَّدٌ ﷺ فِي بَيْتِهِ؟ سُئِلَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: “كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ“ [رواه البخاري].
- “فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ” أَيْ فِي خِدْمَتِهِمْ، يُسَاعِدُ فِي تَنْظِيفٍ، أَوْ تَرْتِيبٍ، أَوْ إِصْلَاحٍ. لَمْ يَكُنْ يَرَى فِي ذَلِكَ نَقْصاً فِي رُجُولَتِهِ، بَلْ هُوَ كَمَالُ الْخُلُقِ وَذِرْوَةُ الِانْتِصَارِ عَلَى الْأَنَانِيَّةِ وَالْكِبْرِ.
يَقُولُ الشَّاعِرُ فِي شِيَمِ الْكِرَامِ: وَمَا رُتْبَةُ السُّلْطَانِ إِلَّا تَوَاضُعٌ … وَمَا شَرَفُ الْإِنْسَانِ إِلَّا بِمَا يُسْدِي فَكُنْ لِأَهْلِيكَ عَوْناً فِي مَطَالِبِهِمْ … فَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ يُعْطِي بِلَا حَدِّ
يَا أَيُّهَا الزَّوْجُ الْكَرِيمُ، يَا أَيُّهَا الِابْنُ الْبَارُّ: لَا تَجْعَلْ رَمَضَانَ شَهْراً تَكُونُ فِيهِ “عِبْئاً” عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ، بَلْ كُنْ “عوناً” لَهُمْ. سَاعِدْ فِي تَهْيِئَةِ الْمَكَانِ، خَفِّفْ عَنْ زَوْجَتِكَ عَنَاءَ الْعَمَلِ، اتْرُكْ لَهَا وَقْتاً لِتَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَتُصَلِّيَ، كَمَا تَطْلُبُ أَنْتَ ذَلِكَ لِنَفْسِكَ. هَذَا هُوَ “الْجِهَادُ النَّبَوِيُّ” دَاخِلَ الْجُدْرَانِ.
عباد الله: اجعلوا من رمضان نقطة انطلاق لفتحٍ جديد في قلوبكم، وانتصارٍ ساحق على أهوائكم. لا تتركوا الصيام يمر كعادة، بل اجعلوه عبادةً تغير القلوب، وتطهر النفوس، وتبني البيوت على المودة والرحمة. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصرنا على أنفسنا وعلى أعدائنا، واجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر الفضيل. اللهم بارك في أرزاقنا، وأصلح بيوتنا، واجزِ أمهاتنا وزوجاتنا عنا خير الجزاء على ما يبذلنه.








